ابن بسام

293

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

في مال السلطان أسدّ في صناعة الكتابة من الزيادة ، ولست أعني نقص الارتفاع مع العدل ، وعادل زيادة مع الجور ، فذلك ما لا يسأل عنه ، وأن يقول : ما باب من الارتفاع إذا كثر دلّ على قلّة الارتفاع ، وإذا قلّ دلّ على جمام الارتفاع ووفوره ؟ وأن يقول : متى تكون مشاهدة الغلط أحسن في صناعة الكتابة من عديمه ؟ وأن يقول : كم نسبة جاري العمل من مبلغ الارتفاع وأوّل من قرّره ورتّبه ؟ وأن يقول : ما رتبتان من رتب الكتابة إذا اجتمعتا لكاتب بطلت أكثر حججه في احتساباته ؟ وأن يقول : هل يطّرد في أحكام / الكتابة حملها على مناصبة أحكام الفقه أم لا ، وهل يذهب [ إلى ذلك ] أحد من متقدّمي الكتاب ، وما الحجّة فيه ، وباللّه التوفيق . قال ابن بسام : وهذا المجموع إنما هو لسان منظوم ومنثور ، لا ميدان بيان وتفسير ، أورد الأخبار والأشعار لا أفكّ معمّاها ، في شيء من لفظها ولا معناها ، ولو ذهبت فيه إلى إيضاح مبهم ، وإعراب مستعجم ، لكانت هذه الفصول أولى ما فتحت مقفله ، وآكد ما أوضحت مشكله ، على أنّي قد ألمعت فيه ببعض تنبيه ، بين ذكر أجريه ، ووجه عذر أريه . فصول من سائر ترسيله فصل له من رقعة : وقفت على كتابك ولم أزل ألثمه ، كأنّي قد ظفرت باليد التي بعثته ، وأضمّه كأنّي أضمّ الجوانح التي نفثته ، وكأنّي كلّما أدنيته إلى الكبد المعذّبة ببعدك ، وأمررته على العين المطروفة بفقدك ، سحبت على النار ذيل السحاب ، وسقيت عطش الحبّ كأس الرّضاب ، وأعرت أخا سبعين ظلّ الشباب ، فأرّخت يوم قدومه لأجعله موسما للسرور ، وعيدا باقيا على الدهور ، أرتقب السّعد عنده كلّ عام ، وأنتظر الفرج منه من كلّ غرام ؛ واتّفق وروده في أشرف فصول الدّهر حسبا ، وأكرم مفاخر الأيام نسبا ، حين ابتدأ [ 1 ] الربيع يزخرف بروده ، والروض ينظم عقوده ، وكنت أعرف هذا الفصل باعتدال منهاجه ، وصحّة مزاجه ، وأنّه لو كان الزمن شخصا لكان له مقبّلا ، ولو أنّ الأيام غوان لكان لها حليّا وحللا ، لأنّ الشمس تخلص فيه من ظلمات حوت السماء ، خلاص يونس من ظلمات حوت الماء ، فإذا وردت الحمل وافت أحبّ أوطانها إليها ، وأعزّ مساكنها عليها .

--> [ 1 ] ابتدأ : مكررة في ص .